الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
124
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
اللّه إخوانا » « 1 » . فسكن - صلى اللّه عليه وسلم - روعه شفقة ، لأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم ، وسلب عنه وصف الملوكية بقوله : « فإني لست بملك » لما يلزمها من الجبروتية ، وقال : « إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد » « 2 » تواضعا ، لأن القديد مفضول ، وهو مأكول المتمسكنة . ولما رأته - صلى اللّه عليه وسلم - قيلة بنت مخرمة في المسجد ، وهو قاعد القرفصاء ، ارتعدت من الفرق « 3 » رواه أبو داود . وروى مسلم عن عمرو بن العاصي قال : صحبت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ، ما ملأت عيني منه قط حياء منه وتعظيما له ، ولو قيل لي صفه لما قدرت « 4 » ، أو كما قال . وإذا كان هذا قوله وهو من أجلة الصحابة ، ولولا أنه - صلى اللّه عليه وسلم - كان يباسطهم ويتواضع لهم ويؤنسهم لما قدر أحد منهم أن يقعد معه ولا أن يسمع كلامه - عليه الصلاة والسلام - لما رزقه اللّه تعالى من المهابة والجلالة . يبين ذلك ويوضحه ما روى أنه - صلى اللّه عليه وسلم - كان إذا فرغ من ركوع الفجر حدث عائشة إن كانت مستيقظة ، وإلا اضطجع بالأرض ثم خرج بعد ذلك إلى الصلاة ، وما ذاك إلا أنه - صلى اللّه عليه وسلم - لو خرج على تلك الحالة التي كان عليها ، وما حصل له من القرب والتدانى في مناجاته وسماع كلام ربه وغير ذلك من الأحوال التي يكل اللسان عن وصف بعضها ، لما استطاع بشر أن يلقاه ولا يباشره ، فكان - صلى اللّه عليه وسلم - يتحدث مع عائشة أو يضطجع بالأرض حتى يحصل التأنيس بجنسهم ، وهو التأنيس مع عائشة ، أو جنس أصل الخلقة التي هي الأرض . ثم يخرج إليهم ، وما ذاك إلا رفقا بهم ، وكان بالمؤمنين رحيما . قاله ابن الحاج في المدخل .
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه مسلم ( 2865 ) في الجنة وصفة نعيمها ، باب : الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار ، من حديث عياض بن حمار المجاشعي - رضى اللّه عنه - ، بدون ذكر قصة الحديث . ( 2 ) صحيح : أخرجه ابن ماجة ( 2312 ) في الأطعمة ، باب : القديد ، من حديث أبي مسعود - رضى اللّه عنه - ، والحديث صححه الشيخ الألبانى في « صحيح سنن ابن ماجة » . ( 3 ) حسن : أخرجه أبو داود ( 4847 ) في الأدب ، باب : في جلوس الرجل ، والحديث حسنه الشيخ الألبانى في « صحيح سنن أبي داود » . ( 4 ) صحيح : وهو جزء من حديث طويل أخرجه مسلم ( 121 ) في الإيمان ، باب : كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج .